المخرجة أسماء بسيسو والتعلم من خلال التجوال
في العام 2008 توجهتْ أسماء بسيسو إلى لبنان وكانت قد عقدتْ العزم على تصوير فيلم وثائقي قصير عن اللاجئين الفلسطينين في المخيمات حيث كانتْ ما تزال في مطلع حياتها المهنية كمخرجة أفلام وثائقية، لم تكن تملك حينها حتى مجرد كاميرا أو أي معدات للتصوير، قررتْ أن تخوض غمار التجربة وتبحث عن القصة وتصور الفيلم وبميزانية تبدأ من الصفر.
تقدمتْ بسيسو آنذاك إلى مشروع سفر وهو مشروع عربي يوفر منح للتجوال للشباب والشابات العرب المبادرين في الوطن العربي ويهدف الى تعزيز ثقافة السفر من أجل التعلم، والبحث في مفهوم السفر كأداة تعلم. وبالفعل تمكنتْ من الحصول على منحة سفر للتزاور مع بيروت دي سي وفرصة التقاء المخرجة اللبنانية سنثيا شقير التي عوّلت الكثير على زيارتها والعمل على بلورة فيلمها التسجيلي الأول، فتوجهتْ إلى بيروت وفي جعبتها أحلام صغيرة.
تقول بسيسو ” لم يخطر ببالي أن تجربتي في لبنان كانت ستتجاوز مجرد صناعة فيلم هناك، فقد تعدى ذلك إلى فهمي لكثير من الأمور خاصة السياسي منها وطبيعة معاناة الناس في المخيمات اللبنانية، فغالباً ما ترتبط صورة لبنان في أذهاننا بأنها مكان للترفيه وقضاء الإجازات الصيفية على شاطئ البحر، الا أن معايشتي للناس هناك ولأهل مدينة صيدا على وجه الخصوص، أظهر لي جانباً اخر للبلاد، وهو أن لبنان عاشت معاناة كبيرة على مر الزمن”.
وحول تجربتها مع الفيلم أوضحت بسيسو بأنها اختبرتْ تجربة مميزة خاصة أن الفيلم “سبع صنايع وطن ضايع″ هو فيلمها القصير الأول، تجربة علمتها الكثير وكيف أن لإرادة الإنسان قوة على التحقيق والإنجاز سيما وانها اتسمتْ بروح العمل الجماعي حيث حظيتْ بمساعدة جميع من هم حولها : “إن الفيلم بالحقيقة لا يعبر فقط عما قيل في داخله، لقد حاولتُ ان اعكس تجربتي الشخصية هناك من خلال الناس الذين تعرفت اليهم سواء ظهروا بالفيلم ام لا، وكانت رسالتي من الفيلم ان اوصل للعالم بطريقة غير مباشرة ما مررتُ به من تجارب وخبرات عظيمة مع هذا الشعب الطيب، والذين لم اكن لأتعرف عليهم لو بقيت أراوح مكاني”. وتضيف “ذهبت الى هناك وأنا احملُ بعض النقود من منحة مشروع سفر لتغطي نفقات الاقامة والمواصلات، لا أملك كاميرا أو أي معدات للتصوير، ولكنني والحمدلله وجدتُ أياد كثيرة امتدت لتساعدني وأنا اعتبر هؤلاء الجنود المجهولين الذين لولاهم لما استطعت ان أنجز العمل ولولاهم لما رأى “سبع صنايع وطن ضايع″ النور على الإطلاق”.
تواصل بسيسو تقدمها بشغف لإحتراف صناعة الأفلام، صورتْ وأخرجت لغاية اليوم ستة أفلام وثائقية قصيرة، شاركت في العديد من المهرجانات الدولية. “أنا غزة” كان هو الفيلم التسجيلي الطويل الأول لها ومدته 45 دقيقة تم تصويره أبان الحرب على غزة مطلع العام المنصرم 2009، حيث حملت بسيسو كاميرتها وتوجهت إلى هناك وقامت من خلاله التقاط العديد من القصص الإنسانية التي تظهر الآثار التي خلفتها الحرب وبهدف إظهار الجوانب التي لم تتطرق إليها وسائل الإعلام من قبل.
فازت بسيسو مؤخراً بإحدى جوائز الدفعة الثانية لتمويل مشروعات الأفلام التسجيلية المقدمة من صندوق الأفلام في معهد الشاشة ببيروت لمخرجين من الاردن ولبنان وفلسطين وسوريا .حيث نالت جائزة قيمتها ثلاثة الاف دولار عن مشروع فيلمها المعنون “ما زالت عايشة” والذي يحكي قصة الفتاة عايشة التي تخلت عنها عائلتها وهي طفلة في الشهر السادس من عمرها وأمضت اكثر من عقدين في التنقل بين دور إيواء الأيتام .
يلاحظ المتتبع لمسيرة أعمال المخرجة أسماء بسيسو القاسم المشترك الذي يربط أبرز أفلامها التسجيلية، فمن “سبع صنايع وطن ضايع″ الذي جرى تصويره في مدينة صيدا في لبنان، إلى “رسالة من غوانتنامو” في دارفور، ثم “تروحي سالمة وترجعي غانمة” الذي قامت بتصويره في 4 بلدان مختلفة، فإلى “أنا غزة” الذي تم تصوير في قطاع غزة أبان الحرب 2009، نجد أنها تعتمد التجوال أساسا للتعلم واختبار الحياة، فتنسج رحلتها من خلال سفرها، لتتسع رؤاها ورؤانا معا.
يذكر بأن مشروع سفر www.safarfund.org هو المشروع الوحيد من نوعه في العالم العربي الذي يقدم فرصا للشباب والشابات العرب المبادرين في مجتمعهم للتعلم من خلال السفر والتواصل مع مجموعات وأفراد ملهمين في دول عربية أخرى، إذ يعمل على بناء شراكات مجتمعية بهدف إثارة حراك ثقافي عربي لتهيئة مساحات وفرص ملهمة للتعلم عبر التجوال، وخلال السنوات الاربع الماضية قدم المشروع 342 منحة ل 140 شابة و202 شاب مبادر من 17 دولة عربية.
سعاد نوفل

